صديق الحسيني القنوجي البخاري
326
فتح البيان في مقاصد القرآن
والمعنى أنها كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينام عليه ، وسمي الممهود بالمهد تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير ، والأوتاد جمع وتد أي جعلنا الجبال أوتادا للأرض لتسكن ولا تتحرك كما ترسى الخيام بالأوتاد . وفي هذا دليل على أن التساؤل الكائن بينهم هو عن أمر البعث لا عن القرآن ولا عن نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم كما قيل ، لأن هذا الدليل إنما يصلح للاستدلال به على البعث . [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 8 إلى 19 ] وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ( 8 ) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ( 9 ) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ( 10 ) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ( 11 ) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ( 12 ) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً ( 13 ) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ( 14 ) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ( 15 ) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً ( 16 ) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ( 17 ) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ( 18 ) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً ( 19 ) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً معطوف على المضارع المنفي داخل في حكمه ، فهو في قوة أما خلقناكم ، والمراد بالأزواج هنا الأصناف أي الذكور والإناث ، وقيل المراد بها الألوان ، وقيل يدخل في هذا كل زوج من المخلوقات من قبيح وحسن وطويل وقصير . وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً قال الزجاج السبات أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه أي جعلنا نومكم راحة لكم ، قال ابن الأنباري جعلنا نومكم قطعا لأعمالكم لأن أصل السبت القطع ، وقيل أصله التمدد يقال سبتت المرأة شعرها إذا حلته وأرسلته ، ورجل مسبوت الخلق أي ممدوده ، والرجل إذا أراد أن يستريح تمدد فسمي النوم سباتا . وفي المختار السبات النوم وأصله الراحة وبابه نصر . وفي المصباح السبات كغراب النوم الثقيل ، وأصله الراحة يقال سبت يسبت من باب قتل وسبت بالبناء للمفعول غشي عليه وأيضا مات ، ومن هنا قيل المعنى وجعلنا نومكم موتا ، والنوم أحد الموتتين فالمسبوت يشبه الميت ولكنه لم يفارقه الروح ، ومن هذا قوله : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [ الزمر : 42 ] الآية ، وقوله : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [ الأنعام : 60 ] . وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً أي نلبسكم ظلمته ونغشيكم بها كما يغشيكم اللباس ، فشبه الليل باللباس ، لأن في كل منهما سترا . فهو استعارة . وقال سعيد بن جبير والسدي أي سكنا لكم ، وقيل المراد ما يستره عند النوم من اللحاف ونحوه وهو بعيد لأن الجعل وقع على الليل لا على ما يستتر به النائم عند نومه . وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً أي وقت معاش ، والمعاش مصدر ميمي بمعنى المعيشة ، وقع هنا ظرفا ، وكل شيء يعاش به فهو معاش ، والمعنى أن اللّه جعل لهم النهار مضيئا ليسعوا فيما يقوم به معاشهم وما قسمه اللّه لهم من الرزق .